الشيخ محمد علي طه الدرة
231
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 107 ] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) الشرح : قال أهل التفسير : إن بني عمرو بن عوف بنوا مسجد قباء ، وبعثوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتيهم ، فأتاهم فصلى فيه ، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف ، فقالوا : نبني مسجدا ، ونبعث إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، يأتينا ، فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا ، ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ، فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول اللّه ! قد بنينا مسجدا لذي الحاجة ، والعلة ، والليلة المطيرة ، ونحب أن تصلي فيه ، وتدعو لنا بالبركة ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنيّ على سفر ، وحال شغل ، فلو قدمنا لأتيناكم وصلّينا لكم فيه » . فلما رجع عليه الصلاة والسّلام من تبوك ، أتوه ، وقد فرغوا منه ، وصلوا فيه الجمعة والسبت ، والأحد ، فدعا بقميصه ليلبسه ، ويأتيهم ، فنزلت الآية الكريمة ، وما بعدها ، فدعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مالك بن الدخشم ، ومعن بن عدي ، وعامر بن السكن ، ووحشيا قاتل حمزة ، فقال : « انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله ، فاهدموه وأحرقوه » . فخرجوا مسرعين ، فأحرقوا المسجد وهدموه ، واتخذ مكانه كناسة ، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا من رؤساء المنافقين ، قال عكرمة رحمه اللّه : سأل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد ؟ فقال : أعنت فيه بسارية ، فقال : أبشر بها ، سارية في عنقك من نار جهنم . بعد هذا انظر شرح ( مسجدا ) في الآية رقم [ 29 ] من سورة ( الأعراف ) . ضِراراً أي : للمؤمنين ، روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ضرر ، ولا ضرار ، من ضارّ ضرّ اللّه به ، ومن شاقّ شاقّ اللّه عليه » . قال بعض العلماء : الضرر الذي لك به منفعة ، وعلى جارك فيه مضرة ، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة ، وعلى جارك فيه المضرة ، وقيل : هما بمعنى واحد ، تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد ، هذا ؛ وقد قال العلماء : وكل مسجد بني على ضرار ، أو رياء ، أو سمعة ، فهو في حكم مسجد الضرار ، لا تجوز الصلاة فيه . وَكُفْراً أي : باللّه ورسوله ، أو بنوه تقوية للكفر ، ومكيدة للإسلام والمسلمين ، وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أي : بين جماعة المؤمنين في مسجد واحد ، وهذا دليل على أن الحكمة من صلاة الجماعة تأليف القلوب ، وجمع الكلمة على الطاعة ، وتوحيد الصفوف أمام المصاعب التي تنوب المسلمين ، ولكن أكثر المسلمين لا يفقهون هذا . وَإِرْصاداً : ترقبا ، وانتظارا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ أي : من قبل بناء مسجد الضرار ، والمراد به أبو عامر الراهب ، سمي